الأربعاء، 6 يوليو، 2016

64-الحد الكوني أم الأُلفة الكيميائية؟! (زمن التطور وحُجيّة الاحتمالات)

الحد الكوني أم الأُلفة الكيميائية؟!
(زمن التطور وحُجيّة الاحتمالات)
د/منى زيتون
السبت 19 مارس 2017

لماذا يدّعي التطوريون أن الزمن غير متطلب للتطور، وأن حُجية الاحتمالات ساقطة؟
نظرية الاحتمالات:
نظرية الاحتمال Probability theory: هي النظرية التي تدرس احتمال الحوادث العشوائية، فبالنسبة للرياضيين، الاحتمالات الممكنة هي أعداد محصورة في المجال بين صفر و 1 ، تحدد احتمال حصول أو عدم حصول حدث معين عشوائي أي غير مؤكد.

الحد الكوني (حد ديمبسكي):
لعل أحد أهم الإشكاليات التي تطرحها نظرية التطور هو أن التطور يحتاج لزمن كبير للغاية كي يظهر أثره، ولن أتحدث هنا عما يطعن به منتقدوها –ومنهم لا أدريين- بأن هذا يجعلها لا تختلف مطلقًا عن نظرية الخلق المسيحية أو نظيرتها الإسلامية -وهما نظريتان دينيتان تقومان على أساس ديني وليس علمي، وتستمدان معطياتهما من الكتاب المقدس والقرآن الكريم-، فلا يمكن بأي حال من الأحوال اختبار فرضيات التطوريين عن صحة شجرة التطور ولا ملاحظتها مع افتراض أنه أحدث أثره عبر فترات زمنية مهولة.

لكن المشكلة الأكبر بالنسبة للعلماء الرافضين للتطور كانت تتمثل في السقف المفتوح الذي يضعه التطوريون للزمن عند الحديث عن التطور، وكأن الزمن عامل لا متناهي!، وكأن هذا الكون ليس له بداية، وخلال القرن العشرين تمت إعادة تقييم عمر الكون -والأرض تحديدًا- عددًا من المرات، كانت كل من تلك التقييمات تضيف المزيد والمزيد إلى عمر الأرض حتى جعلوها عجوزًا شمطاء يُقاس عمرها بمليارات السنين، ولم يخل الأمر من انتقادات وتشكيك في دقة التقنية المستخدمة لتأريخ عمر الصخور المسماة التأريخ الراديومتري، ولكن مع كل تلك الإضافات بدا الزمن اللازم لحدوث التطور أكبر بكثير من عمر الأرض!

لعل من أهم المحاولات التي تصدت لأحلام التطوريين بالسقف المفتوح لافتراضاتهم كانت حساب الفيلسوف وبروفيسور الرياضيات الشهير، ويليام ديمبسكي، لما أسماه الحد الكوني Universal probability bound الذي يكون أي احتمال رياضي أقل منه هو احتمال صفري؛ قيمته الرياضية الفعلية= صفر، بينما أي احتمال أكبر منه يكون ممكنًا عن طريق الصدفة.
وضع ديمبسكي المعادلة التالية لحساب الحد الكوني:
الحد الكوني= عدد الجسيمات الأولية في الكون × أكبر عدد للحركات الممكنة لكل جسيم في الثانية الواحدة وبالتالي للعمليات الفيزيائية في الثانية الواحدة (معكوس زمن بلانك) × عمر الكون بالثواني منذ الانفجار العظيم
الحد الكوني= 1080  × 1045 × 1025= 10150
وبالتالي؛ فإن أقصى عدد يمكن تصور حدوثه لعمليات فيزيائية تمت على الجسيمات الأولية منذ لحظة نشوء الكون –وليس الأرض فقط- = 10150
علمًا بأن عدد الجسيمات الذرية الذي اعتمده ديمبسكي قد ذكره ستيفن هوكنج في كتاب "تاريخ موجز للزمن"، وأكبر عدد للحركات في الثانية الذي اعتمده ديمبسكي أكبر بكثير من كل الحسابات المقترحة، كما أن عمر الكون وفقًا لحسابات العلماء أقل من الرقم الذي استخدمه ديمبسكي، ومع ذلك فهذا الحد الكوني يعتبر سقفًا صغيرًا للغاية أمام التطوريين.
وبالتطبيق في المعادلة لا يمكن أن توجد احتمالية أكبر من حد ديمبسكي إلا لنوع مبسط منفرد؛ بالتالي‏ تدخله في نطاق الممكن. بينما عند حساب احتمال وجود أي نوع معقد فسيتجاوز حد ديمبسكي، وبالتالي تكون قيمته الاحتمالية الفعلية= صفر. ‏
ووفقًا لديمبسكي فإن وجود أنواع معقدة من الكائنات في الكون، يثبت حساب الاحتمالات أنها كي تتكون عن طريق الصدفة يكون احتمال تكونها أقل من الحد الكوني (10151، 10152 فما أقل)، فإن وجود تلك الأنواع الحية لا يمكن عزوه إلا لمصمم ذكي.
وويليام ديمبسكي -لمن لا يعلم- هو أحد أعمدة نظرية التصميم الذكي، وهي نظرية علمية تعارض التطور، على عكس نظريتيّ الخلق المسيحية والإسلامية الدينيتين اللتين لا تعارضانها على أساس علمي.

حساب تشارلز أوجين جاي لاحتمالية تكون جزيء بروتين:
كانت هناك عدة محاولات لحساب احتمالية تكون جزيء بروتين واحد بشكل عشوائي.
في كتابه "التطور الفيزيوكيميائي"، قام تشارلز أوجين جاي، وبعد تنزّلات عديدة بحساب احتمال ‏تكون جزيء بروتين واحد بطريق الصدفة، ووجد أن حجم الكون الذي نحتاج إليه أكبر من ‏حجم كوننا بمراحل ويكاد يكون ضعفه، وأن احتمال ظهور جزيء بروتيني واحد مصادفة 1/10 ‏مرفوعة لأس 321، وقطعًا هو أقل بكثيييييييير من حد الاحتمال الكوني، ويخرجه من نطاق الممكن بالنسبة لفعل الصدفة العشوائية.‏

الأُلفة الكيميائية:
الأُلفة الكيميائية أو القابلية الكيميائية chemical affinity هي خاصية تنبع من التوزيع الالكتروني للمواد المختلفة للانتظام معًا ذاتيًا، وتكوين مركبات كيميائية أعقد.

لكن ما صلتها بالتطور؟ ولماذا يُحاجج بها التطوريون؟
من سنوات طوال والتطوريون يدّعون أن اجتماع المواد على نحو خاص هو الذي ينتج النظام المعقد عن طريق الأُلفة الكيميائية!، وأن التطور ليس بحاجة إلى زمن أطول من عمر الأرض يجعله غير محتمل وفقًا لنظرية الاحتمالات!!!

كانت من أهم المحاولات التي حاولت تفسير نشأة الحياة الأولى عن طريق سلسلة من الخطوات التدريجية التطورية هي محاولة كينيون وشتاينمان.
افترض كينيون وشتاينمان أنه عن طريق مجموعة من التحولات الكيميائية يمكن أن تنتج بِنى كيميائية أكثر تعقيدًا (بوليمرات) ابتداءً من بِنى أبسط (مونوميرات)، وشبّها الأمر أنه مثلما تجذب القوى الكهربائية الساكنة أيونات الصوديوم Na+ والكلور Cl- معًا في أنماط عالية الترتيب في بلورة ملح الطعام، فقد رتّبت الأحماض الأمينية نفسها في الحساء قبل الحيوي الذي يفترضه التطوريون في بدء الخلق، وجاء هذا الترتيب تبعًا لأُلفتها الكيميائية تجاه بعضها لتشكل البروتينات.
أثبتت تجاربهما أنه توجد أُلفة كيميائية بين الأحماض الأمينية، تجعل أحماضًا أمينية معينة ترتبط بسهولة أكثر مع أحماض أمينية أخرى دون غيرها، أي أن الاختلافات في الأُلفة فرضت قيودًا على تسلسل الأحماض الأمينية، جاعلةً تسلسلات معينة أكثر احتمالية من غيرها، ولكنها ليست مستحيلة.
وبالتالي افترضا أن خصائص الأحماض الأمينية ساعدت في ترتيب السلاسل التي أنتجت البروتينات الوظيفية.

كما يتضح فإن نموذجهما يفتقد نقطتين رئيسيتين متطلبتين:
·        لم يحاولا تقديم إثبات تجريبي لتفسير تكون الأحماض الأمينية في الحساء قبل الحيوي الذي يفترضه التطوريون في بدء الخلق. هذا الحساء قبل الحيوي المهول الحجم، والذي يتحدث عنه التطوريون أيضًا مثلما يتحدثون عن الزمن بلا تصور سقف يحده.
يمكن القول أن نموذجهما يقدم تفسيرًا لترتّب الأحماض الأمينية لتكوين البروتين، وفقط يفترض أن تلك الأحماض نشأت من غازات جوية أبسط إضافة للطاقة.
·        الأُلفة الكيميائية -ووفقًا لكينيون- يقف دورها عند تقابل القواعد النيتروجينية الأربعة (A-T), (C-G)، ولكنها لا تتدخل في تتابع القواعد في سلسلة DNA، وهذا التتابع هو المسؤول عن تشفير المعلومات. لم يحاولا استخدام هذا النموذج لشرح تكون معلومات الشفرة الوراثية في الأحماض النووية DNA و RNA، ولا كيفية ظهور هذين الحمضين لأول مرة؛ لأنهما اعتمدا تصور (البروتين أولًا)، أي أن المعلومات الحيوية وفقًا لهما نشأت أولًا في البروتينات.

الشكوك حول التنظيم الذاتي بدأت من صاحب النموذج:
العجيب أنه عندما نمت شعبية هذا النموذج، بدأت الشكوك في صحته تثور في رأس أحد واضعيه، وهو دين كينيون؛ لسببين:
·        هذا النموذج لا يستطيع تفسير المعلومات في DNA بتاتًا، فلا التنظيم الذاتي للقواعد النيتروجينية متصور بنفس الطريقة التي تم افتراضها لتكون البروتينات، ولا تسلسلات الأحماض الأمينية في البروتينات المفترض تكونها يمكن أن تُقدم قالبًا لتكوين تسلسل جزئيات DNA.
·        بدأ كينيون يتشكك في افتراضه الأساسي بأن المعلومات نشأت أولًا في البروتين، وصرّح بأن: "إخراج المعلومات من البروتينات وإدخالها في DNA يستعصي على التصور".

دراسات جديدة شكلت تحدي تجريبي للنموذج:
بعد تشكك كينيون، والذي صرّح به في أوائل الثمانينات من القرن العشرين، وفي أواخر الثمانينات، جاءت الضربة القاضية التي حطمت القيمة التفسيرية لنموذج كينيون وشتاينمان للتنظيم الذاتي للأحماض الأمينية وتكوين البروتينات بناءً على الأُلفة الكيميائية.
يذكر د/ستيفن ماير في كتابه "توقيع في الخلية":
"في أواخر الثمانينات من القرن العشرين تحدّت نتائج تجريبية جديدة فكرة أن أُلفات ارتباط الحموض الأمينية قد أنتجت المعلومات الحيوية في البروتينات، فقد أظهرت دراسات جديدة عدم وجود علاقة تربط بين الأُلفات المختلفة هذه وبين أنماط التسلسل الفعلية في الفئات الواسعة من البروتينات المعروفة. بعبارة أخرى، نعم توجد أُلفات ارتباط مختلفة، ولكن لا يبدو أنها تفسر ولا تحدد التسلسلات النوعية للحموض الأمينية التي تملكها البروتينات الحقيقية الآن".

كما ظهر تفسير لهذه النتائج الجديدة أجدر بالتصديق بأن المعلومات المشفرة في DNA هي التي ولّدت الأحماض الأمينية المعروفة الآن، وأن البروتينات تنتج بواسطة نظام التعبير الجيني.
ولا يوجد أي دليل الآن على أن البروتينات الأولى نشأت مباشرة من أحماض أمينية، هذا إن تغافلنا عن الكيفية التي نشأت بها تلك الأحماض الأمينية من الأساس.

فالتآلف الكيميائي غير صالح لتفسير الاهتداء المفترض للأحماض الأمينية في الحساء قبل الحيوي الخيالي الذي يفترضه التطوريون في بدء الخلق، وغير صالح لتفسير تكون معلومات DNA؛ بالتالي فأيًا كان اتجاه تدفق المعلومات في بداية الخلق، أي سواء كان خلق البروتينات هو البداية أو خلق المعلومات الوراثية في DNA فلا يمكن تفسير نشأة أيهما بالتنظيم الذاتي عن طريق الأُلفة الكيميائية.
بالتالي لا زالت حجية الاحتمالات تقصم ظهر التطور، ولا يوجد نموذج يبرر اختزال الزمن.

لكن هل توقف التطوريون بعد تراجع أحد واضعي النموذج، وظهور دراسات تدحضه؟
بدأت مرحلة جديدة من محاولات التطوريين إثبات عدم احتياج التطور إلى زمن طويل كالمفترض وفقًا لنظرية الاحتمالات، وكان عملهم في تلك المرحلة على الجينات، أي العمل على الكيفية التي تتتابع بها القواعد النيتروجينية في DNA، أي كيفية تكوين جين وظيفي. بدأت تلك التجارب على الجينات المنظمة في تجارب استبدال الجينات بين الأنواع الحية.
جينات هوكس ‏Hox Genes
جينات هوكس ‏Hox genes‏ (المعروفة أيضًا باسم الجينات المتماثلة ‏Homeotic genes‏ ‏أو الجينات الناحتة) هي مجموعة من الجينات التي تتحكم في خطة جسم الجنين على طول ‏المحور الأمامي/الخلفي (الرأس/الذيل).‏ على سبيل المثال: في ذبابة الفاكهة وجدوا أن جينات هوكس الثمانية الموجودة بها تترتب ‏بنفس ترتيب أجزاء جسم الحشرة التي تتحكم في خطة تكونها من الرأس وحتى البطن.‏
بعد تشكل القطاعات الجنينية فإن بروتينات هوكس تحدد نوع تركيبات أي جزء في الجسم ‏سيتم تشكيله. على سبيل المثال: الأرجل وقرون الاستشعار والأجنحة في الذبابة، والأنواع ‏المختلفة من الفقرات في الإنسان.‏
بالتالي يمكن القول أن بروتينات هوكس تمنح كل جزء في الجسم هويته، لكنها فعليًا لا تكون ‏تلك الأجزاء. فهي الجينات التي تلعب دورًا مهمًا في تقسيم أجزاء الجسم، وتحدد أيًا من الأجزاء ‏تكون أعضاء الجسم، وتقوم بتحديد وقت تكون وموقع وكيفية تكون الجزء.‏
هذه الجينات تنشط فقط في المرحلة الجنينية، وتنتهي من أداء وظيفتها بتكون الجنين في رحم ‏الأم.‏

في تجارب استبدال الجينات، قد يستبدلون مثلًا جين هوكس في ذبابة بمثيله في فأرة، ويستدلون بقدرته على التموضع بشكل سليم في جينوم النوع الآخر على قدرة الطفرات العشوائية على العمل، ولا أعلم أين العشوائية في استبدال الجينات ليقيسوا عليها الطفرة. كما يستدلون بذلك على عدم حاجة الطفرة إلى زمن.
ثم بدأوا في استبدال جينات وظيفية مثل تجربة تمت من سنتين نزعوا فيها الجين المسؤول عن إصدار الطيور الأصوات المغردة وزرعوه في أجنة فأرة فنتجت فأرة مغردة.

استبدال الجينات وعلاقته بالتنظيم الذاتي:
يعرف العلماء المتخصصون في استبدال الجينات بين الأنواع الحية أنهم عندما يزرعون جين بشكل عشوائي في جينوم أحد الأنواع فإنه سيرتب نفسه ويتموضع بشكل صحيح.
أنقل هذه الكلمة لـ "ماريو كابتشي" وهو من العلماء الرواد في تقنيات استبدال الجينات بين ‏جينومات الكائنات الحية، يعبر فيها عن التنظيم الفائق في ترتيب مناطق ‏DNA، يقول:‏
‏"لدى متابعة مصير جزيئات الدنا في الخلية، أثارت ظاهرة مذهلة انتباهي. فعلى الرغم من أن ‏هذه الجزيئات غرزت نفسها عشوائيًا في إحدى كروموسومات الخلية المتلقية، فإن أكثر من ‏جزيء واحد انغرز في الموضع نفسه، ويكون للجزيئات المنغرزة كافةً التوجيه (الاهتداء) ‏orientation‏ نفسه. وكما أن للكلمات في أي لغة من اللغات اتجاهًا معينًا في قراءتها (نقرأ ‏الكلمات في الإنجليزية من اليسار إلى اليمين) كذلك الأمر فيما يتعلق بجزيئات الدنا أيضًا. ‏وعلى ما يبدو فإن آلية معينة داخل نواة الخلية ربطت جزيئات الدنا جميعها تقريبًا في توجيه ‏واحد وذلك قبل أن يتم الغرز العشوائي.‏
‏ ثم غدا بوسعنا أن نبرهن أن الخلايا تستعمل آلية تعرف بالتأشيب المماثل (النظير) ‏homologous recombination‏ لإنجاز ذلك الارتباط. ويحدث التأشيب المماثل فقط ‏لجزيئات من الدنا لها تسلسل النكليوتيدات نفسه. وتصطف الجزيئات كافة الواحد منها تلو ‏الآخر، ثم يتم قطع نهاية الجزيء الأول وبداية الجزيء التالي، ويوصل أحدهما بالآخر عند ‏النهايتين المقطوعتين. وينجز الوصل بدقة فائقة بحيث لا يطرأ أي تغير على تسلسل ‏النكليوتيدات عند نقاط الارتباط".‏

مرة أخرى نُذكر أن الأُلفة الكيميائية يقف دورها عند تقابل القواعد النيتروجينية الأربعة، ولا يوجد أي نموذج علمي استطاع أن يشرح تكون ‏معلومات الشفرة الوراثية في الأحماض النووية ‏DNA‏ و ‏RNA، ولا كيفية ظهور هذين ‏الحمضين عند بدء الخلق.
وأعجب ما في الأمر هو قدرة التطوريين على الاستدلال بالتنظيم على العشوائية!، فصار تموضع الجينات بدقة والتنظيم العالي في الحمض النووي يُستدل به على إمكانية عمل طفرات عشوائية لإنتاج نُظم معقدة.

خاتمة:
هذا هو ما يحتج به التطوريون باختصار. يقولون: المادة تجمع نفسها بشكل سليم ومنظم بسبب خواصها، وليست الطبيعة بحاجة إلى زمن كبير لتكوين المركبات المعقدة والأنواع الحية، وبالتالي فالاحتمالات ساقطة كحجة على التصميم الذكي.
إن تحايلات التطوريين لنقض حجية الاحتمالات على حدوث التصميم الذكي لا ينبغي أن تمر علينا ‏مرور الكرام، فهي أشد خطرًا من فكرة التطور الموجه؛ فإذا كان التطور الموجه ينخر في تصور ‏الإله لدى المؤمنين، فنقض حجية الاحتمالات طعن علمي في التصميم، وكما أن من تقبّل ‏التطور الموجه من بيننا كمسلمين أخطأوا بالتنزّل للتطوريين وساهموا في نشر الإلحاد وهم ‏يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فقبول عدم حجية الاحتمالات خطأ لا يقل عنه، وهو خطأ علمي ‏قبل أن يكون ديني.‏
‏إن احتجاج التطوريين قائم على شقين كلاهما مطعون فيه:
أ- ما يدعيه التطوريون من ثغرة منطقية في حجة الاحتمالات، بمعنى أنه ما أدرانا أن ‏الاحتمال الصحيح لا يأتي متقدمًا، ولماذا نفترض أن الاحتمال الصحيح يأتي متأخرًا بما يخرجه من نطاق الممكن؛ كونه أقل بكثير من الحد الكوني، هو كلام لا يمت لعلم الرياضيات بصلة. الرياضيات ‏هي أكثر العلوم جفافًا. هناك دائمًا حد فاصل لا يمكن التحايل عليه بأي ادعاءات من هذا ‏القبيل. أذكر أنه أثناء إعدادي رسالة الماجستير ظهرت في النتائج بعض الفروق التي اقتربت ‏من الدلالة الإحصائية، وكان أستاذي أ.د/ رجاء أبو علام وهو من أكبر أستاذة مناهج البحث ‏والإحصاء في الوطن العربي يؤكد عليّ أنه لا شيء في الرياضيات اسمه اقترب أو ابتعد. ‏هناك رقم محدد يتم التعامل رياضيًا معه. بمعنى أنه رياضيًا يصح أن أقول (دال عند كذا، أو ‏غير دال)، ولكن لا يصح مطلقًا أن أقول اقترب أو ابتعد أو يكاد، ولا شيء في الاحتمالات يسمى احتمال متقدم واحتمال متأخر.
ب-ادعاء التطوريين القائم على الأُلفة الكيميائية بين الأحماض الأمينية لتفسير تكون البروتين، ‏وكما أن هناك أبحاثًا دعمته في بداياته فهناك أبحاث جديدة لا تدعمه. والأهم أن الأُلفة الكيميائية لا يمكن أن تفسر خلق الأحماض الأمينية ابتداءً، فكل ما تتحدث عنه هو ‏ترتّبها.
كما لا يمكن أن تفسر الأُلفة الكيميائية تكون جزيئات البروتين المهولة العدد في أجسام الأنواع الحية، ‏والتي تصل إلى تريليونات في النوع الواحد، والتي لا يمكن أن يكون حساب احتمال تكونها صدفة ‏أصغر من الحد الكوني، مما يجعل الاحتمال رياضيًا= صفر.‏
جسم الإنسان وفقًا لبعض التقديرات يضم  حوالي 240 مليار خلية، والخلية الواحدة تشتمل من ‏‏300 إلى 500 جزيء بروتين. أي أن جسم الإنسان به 13600 تريليون جزيء بروتيني.‏ فماذا لو أخذنا باقي الأنواع الحية والمنقرضة في الاعتبار؟
ويكفي أن أحد صاحبيّ النموذج ‏‏(دين كينيون) نفسه قد تبرأ منه، وهو من دعاة التصميم الذكي الآن، وأحد المشاركين في ‏تأليف كتاب "من الباندا والناس".
والأهم، أن المجتمع العلمي الآن أكثر تقبلًا لتصور أن الدنا DNA أولًا وليس البروتين أولًا.

وأتساءل عن عبث التطوريين بالعلم لإيجاد مبررات لاستمرار نظريتهم. ربما قريبًا سنجد بعض الجامعات على مستوى العالم تلغي مقرر الاحتمالات من تخصص الرياضيات مشايعة لهم.